أحمد بن محمد القسطلاني

108

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

أدّوا ( الصلاة ) في أوقاتها ( وآتوا الزكاة ) أعطوها تصديقًا لتوبتهم وإيمانهم ، ( فخلوا ) أي أطلقوا ( سبيلهم ) . جواب الشرط في قوله فإن تابوا وفيه كما قال القاضي البيضاوي دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله ، ومراد المؤلف بهذا الردّ على المرجئة في قولهم : إن الإيمان غير محتاج إلى الأعمال مع التنبيه على أن الأعمال من الإيمان . 25 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلاَمِ ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ » . وبالسند إلى المؤلف قال : ( حدّثنا عبد الله بن محمد ) أي ابن عبد الله ، ولابن عساكر المسندي بضم الميم وفتح النون ، وسبق ( قال : حدّثنا أبو روح ) بفتح الراء وسكون الواو واسمه ( الحرمي ) بفتح الحاء والراء المهملتين وكسر الميم وتشديد المثناة التحتية بلفظ النسبة تثبت فيه أل وتحذف ، وليس نسبة إلى الحرم كما توهم ( ابن عمارة ) بضم العين المهملة وتخفيف الميم ابن أبي حفصة نابت بالنون العتكي البصري المتوفى سنة إحدى وثمانين ، ( قال : حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن واقد بن محمد ) بالقاف ، زاد الأصيلي يعني ابن زيد بن عبد الله بن عمر كما في فرع اليونينية ، ( قال : سمعت أبي ) محمد بن زيد بن عبد الله ( يحدث عن ابن عمر ) بن الخطاب عبد الله رضي الله عنهما فواقد هنا روى عن أبيه عن جد أبيه ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( أمرت ) بضم الهمزة لما لم يسمّ فاعله ( أن ) أي أمرني الله بأن ( أقاتل الناس ) أي بمقاتلة الناس وهو من العام الذي أريد به الخاص ، فالمراد بالناس المشركون من غير أهل الكتاب ، ويدل له رواية النسائي بلفظ : أمرت أن أقاتل المشركين أو المراد مقاتلة أهل الكتاب . ( حتى ) أي إلى أن ( يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، و ) حتى ( يقيموا الصلاة ) المفروضة بالمداومة على الإتيان بها بشروطها ، ( و ) حتى ( يؤتوا الزكاة ) المفروضة أي يعطوها لمستحقيها . والتصديق برسالته عليه الصلاة والسلام يتضمن التصديق بكل ما جاء به ، وفي حديث أبي هريرة في الجهاد الاقتصار على قوله لا إله إلا الله : فقال الطبري : إنه عليه الصلاة والسلام قاله في وقت قتاله للمشركين أهل الأوثان الذين لا يقرون بالتوحيد ، وأما حديث الباب ففي أما الكتاب المقرّين بالتوحيد الجاحدين لنبوّته عمومًا وخصوصًا . وأما حدث أنس في أبواب أهل القبلة : وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فيمن دخل الإسلام ولم يعمل الصالحات كترك الجمعة والجماعة فيقاتل حتى يذعن لذلك ، ( فإذا فعلوا ذلك ) أو أعطوا الجزية ، وأطلق على القول فعلاً لأنه فعل اللسان أو هو من باب تغليب الاثنين على الواحد ، ( عصموا ) أي حفظوا ومنعوا ( مني دماءهم وأموالهم ) ، فلا تهدر دماؤهم ولا تستباح أموالهم بعد عصمتهم بالإسلام بسبب من الأسباب ، ( إلاّ بحق الإسلام ) من قتل نفس أو حدّ أو غرامة بمتلف أو ترك صلاة ، ( وحسابهم ) بعد ذلك ( على الله ) في أمر سرائرهم ، وأما نحن فإنما نحكم بالظاهر فنعاملهم بمقتضى ظواهر أقوالهم وأفعالهم ، أو المعنى هذا القتال وهذه العصمة إنما هما باعتبار أحكام الدنيا المتعلقة بنا ، وأما أمور الآخرة من الجنة والنار والثواب والعقاب فمفوّض إلى الله تعالى ، ولفظة على مشعرة بالإيجاب ، فظاهره غير مراد ، فإما أن يكون المراد وحسابهم إلى الله أو لله ، وأنه يجب أن يقع لا أنه تعالى يجب عليه شيء خلافًا للمعتزلة القائلين بوجوب الحساب عقلاً ، فمن من باب التشبيه له بالواجب على العباد في أنه لا بدّ من وقوعه ، واقتصر على الصلاة والزكاة لكونهما أُمًّا للعبادات البدنية والمالية ، ومن ثم كانت الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام . ويؤخذ من هذا الحديث قبول الأعمال الظاهرة والحكم مما يقتضيه الظاهر ، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافًا لمن أوجب تعلم الأدلة وترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع ، وقبول توبة الكافر من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن . وفيه رواية الأبناء عن الآباء ، وفيه التحديث والعنعنة والسماع ، وفيه الغرابة مع اتفاق الشيخين على تصحيحه ، لأنه تفرّد بروايته شعبة عن واقد قاله ابن حبان ، وهو عن شعبة عزيز تفرد بروايته عنه حرمي المذكور وعبد الملك بن الصباح ، وهو عزيز عن حرمي تفرد به عنه